أبي الفرج الأصفهاني
196
الأغاني
فلما عيل صبره أخذ الدنانير فرمى بها بين يدي الرشيد ، وقال له : هاكها قد رددتها عليك وزدتك فرج أمّ صدقة فطلَّقها إن شئت واحدة ، وإن شئت ألفا . وإن لم تلحقني بجوائز القوم فألحقني بجائزة هذا البارد ابن الباردة عمرو الغزّال [ 1 ] ، وكانت صلته ألف دينار . فضحك الرشيد حتى استلقى ، ثم ردّ عليه الخمسمائة الدينار ، وأمر له بألف دينار معها . وكان ذلك أكثر ما أخذه منه مذ يوم خدمه إلى أن مات ، فانصرف يومئذ بألف وخمسمائة دينار . عبث جعفر بن يحيى والرشيد به أخبرني رضوان بن أحمد ، قال : حدّثني يوسف بن إبراهيم ، قال : حدّثني أبو إسحاق ، قال : / مطرنا ونحن مع الرشيد بالرّقة مطرا مع الفجر ، واتصل إلى غد ذلك اليوم ، وعرفنا خبر الرشيد ، وأنه مقيم عند أمّ ولده المسماة بسحر ، فتشاغلنا في منازلنا . فلما كان من غد جاءنا رسول الرشيد ، فحضرنا جميعا ، وأقبل يسأل واحدا واحدا عن يومه الماضي : ما صنع فيه فيخبره ، إلى أن انتهى إلى جعفر بن يحيى ، فسأله عن خبره ، فقال : كان عندي أبو زكَّار الأعمى وأبو صدقة ، فكان أبو زكار كلما غنّى صوتا لم يفرغ منه حتى يأخذه أبو صدقة ، فإذا انتهى الدور إليه أعاده ، وحكى أبا زكار فيه وفي شمائله وحركاته ، ويفطن أبو زكار لذلك فيجن ويموت غيظا ، ويشتم أبا صدقة كلّ شتم حتى يضجر ، وهو لا يجيبه ولا يدع العبث به ، وأنا أضحك من ذلك إلى أن توسطنا الشراب وسئمنا من العبث به ، فقلت له : دع هذا وغنّ غناءك ، فغنّى رملا ذكر أنه من صنعته ، طربت له - واللَّه يا أمير المؤمنين - طربا ما أذكر أني طربت مثله منذ حين ، وهو : صوت فتنتني بفاحم اللون جعد وبثغر كأنه نظم درّ وبوجه كأنه طلعة البد ر وعين في طرفها نفث سحر فقلت له : أحسنت واللَّه يا أبا صدقة ، فلم أسكت عن هذه الكلمة حتى قال لي : إني قد بنيت دارا حتى أنفقت [ 2 ] عليها حريبتي [ 3 ] ، وما أعددت لها فرشا ، فافرشها لي ، نجّد [ 4 ] اللَّه لك في الجنة ألف قصر . فتغافلت عنه ، وعاود الغناء ، فتعمدت أن قلت له : أحسنت ، ليعاود مسألتي وأتغافل عنه ، فسألني وتغافلت ، فقال لي : يا سيدي هذا التغافل متى حدث لك ؟ / سألتك باللَّه ، وبحق أبيك عليك إلا أجبتني عن كلامي ولو بشتم ! فأقبلت عليه وقلت له : أنت واللَّه بغيض ، اسكت يا بغيض ، واكفف عن هذه المسألة الملحّة ، فوثب من بين يديّ ، وظننت أنه خرج لحاجة ، وإذا هو قد نزع ثيابه وتجرد منها خوفا من أن تبتلّ ، ووقف تحت السماء ، لا يواريه منها شيء والمطر يأخذه ، ورفع رأسه وقال : يا ربّ أنت تعلم أني مله ، ولست نائحا ، وعبدك هذا الَّذي رفعته وأحوجتني إلى خدمته يقول لي : أحسنت ، لا يقول لي : أسأت ، وأنا منذ جلست أقول له : بنيت ، لم أقل : هدمت ، فيحلف بك جرأة عليك أني بغيض ، فاحكم بيني وبينه يا سيدي ، فأنت خير الحاكمين .
--> [ 1 ] ف : « عمرو بن الغزال » . [ 2 ] ف : « دارا أنفقت » . [ 3 ] حريبة الرجل : ماله الَّذي سلبه . [ 4 ] نجّد : زين .